محمد متولي الشعراوي

1261

تفسير الشعراوي

و « قيّوم » هذه يسمونها صيغة مبالغة ؛ لأنّ الحدث إذا وقع فإنه يقع مرة على صورة عادية ، ومرة يقع على صورة قوية . مثلما تقول : فلان أكول ، و « أكول » غير « آكل » ، فكلنا نأكل ، وكلنا يطلق علينا « آكل » ، لكن ليس كلنا يطلق علينا « أكول » لأن هذه اسمها صيغة مبالغة في الحدث . وإذا كان اللّه هو الذي يدبر ويقوم على أمر كل عوالم الكون هل يكون قائما أو قيّوما ؟ لا بد أن يكون قيّوما . و « قيوم » معناها أيضا : قائم بذاته . فما شكل هذا القيام ؟ إنه قيام أزلي كامل . إذن فكلمة « قيّوم » صيغة مبالغة من القيام على الأمر ، قائم بنفسه ، قائم بذاته ، ويقيم غيره ، والغير متعدد متكرر ، فعندما يكون هذا الغير متعددا ومتكررا فهو يحتاج إلى صفة قوية في خالقه ، فيكون الخالق قيّوما . إن قوله الحق : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » هو سند المؤمن في كل حركات حياته ، عن أبىّ بن كعب رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللّه معك أعظم ؟ قلت : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » فضرب في صدري وقال : « ليهنك العلم أبا المنذر » « 1 » . وقولوا لنا باللّه : حين يوجد ولد وأب ، هل يحمل الولد همّا لأي مسألة من مسائل الحياة ؟ لا ؛ لأن الأب متكفل بها ، والمثل العامي يقول : الذي له أب لا يحمل همّا ، إذن فالذي له ربّ عليه أن يستحى ؛ لأنه سبحانه يقول : أنا حىّ ، وأنا قيّوم ، و « قيّوم » يعنى قائم بأمرك . ويؤكد سبحانه هذه القيّومية في سورة البقرة ، فقال في آية الكرسي : « لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ » ، كأنه يقول لنا : ناموا أنتم لأننى لا أنام ، وإلا فإن نمت أنت عن حراسة حركة حياتك فمن يحرسها لك ؟ إنه سبحانه يتفضل علينا بقيوميته ف « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » ، وما دام هو « الحىّ » و « القيّوم » فأمر منطقي أنه قائم

--> ( 1 ) رواه مسلم .